محطات في سيرتي الذاتية
بقلم: الدكتور فوزي بن عمران
عندما بدأت تأليف كتاب سيرتي الذاتية؛ خطر لي أن أستبق نشر الكتاب بنشر مقتطفات منه خلال فترة الإعداد التي أعلم أنها قد تطول. وجعلت كل حلقة تدور حول محطة مهمة يبرز فيها علم من الأعلام الذين التقيت بهم أثناء مسيرة نصف قرن من الزمن؛ وعنونت الحلقات حسب أسماء أولئك الأعلام. وآمل أن يحقق النشر على هذه الكيفية عدة أهداف؛ أولها أن التزامي بالنشر المتعاقب للمقتطفات دافع على المواصلة لإتمام الكتاب. والهدف الآخر أن نشرها سيتيح للمعنيين والمهتمين فرصة إثراء ما أكتب بتعليقاتهم وإضافاتهم وتصحيحهم إن بدر مني تقصير أو قصور أو زيادة أو نقصان. وعندما يصدر كتاب السيرة الذاتية سيكون مرتباً زمنياً، ولكنني لن أتحرى الترتيب الزمني في سرد هذه المقتطفات، ولن يدل ترتيب نشرها على ترتيب أهميتها في حياتي.
الحاج حمد بن طالب
عندما عادت أسرتنا من مدينة المرج إلى درنة واصطحبني والدي إلى سوق الظلام لأول مرة، كان ذلك حدثاً بارزاً في حياتي. حدث ذلك في عام 1958م عندما كان القادم من شارع الفنار إلى السوق، يجتاز محطة العربات التي تجرها الخيول (الحنطور)، ويقابله (فندق الخضرة) بعد أن يقطع شارع (إبراهيم الأسطى عمر) ويدلف إلى أزقة (البلاد). مشيت مع والدي مروراً بـ (السنفاز) إلى أن وصلنا مدخل سوق الخضرة الذي تقوم على مدخله حنفية عامة للماء في الزاوية بين محل جزارة (الحبيّب) ومحل خضروات (عبد الغني استيتة). قطعنا سوق الخضرة، ودخلنا إلى (البياصة الحمرا) واتجهنا إلى الرواق الجنوبي الموصل بين ذلك الميدان الذي جاء اسمه مركباً من كلمة ميدان الإيطالية، وصفة أرضيته التي جاءت بالتأنيث لأن ميدان (بياصة) مؤنثة في تلك اللغة. وانعطفنا يميناً بعد أن ولجنا إلى سوق الظلام من خلال ذلك الرواق أو الممر الذي كانت تصطف على جانبية المحلات التجارية. توقف والدي عند رابع محل على اليمين. هبّ صاحب المحل مرحباً بوالدي وقرب له كرسياً. كنت طفلاً في الخامسة من عمري، ولكنني لاحظت ما أبداه ذلك الرجل الجليل من احترام ومودة لوالدي، وكيف أنه احتفى بكلينا بدماثة وحسن خلق لا نظير لهما. ذلك الحاج حمد بن طالب. عرفته منذ ذلك الحين، ولم أنسه ولن أنساه أبداً.
عصامياً حتى النخاع. توفي والده وهو طفل صغير فكفله خاله الذي قام على تربيته. حفظ بعض القرآن وكان يؤذن في مسجد المغار (الرشيد حالياً). اشتغل بالتجارة في سن مبكرة، وبدأ بداية بسيطة ثم رزقه الله من فضله إلى أن استقر به الحال في المحل الذي وصفت. كان يبيع الأقمشة والملابس التقليدية الليبية، وتاجر في الحلي من الذهب والفضة.
تأثر الحاج بن طالب في شبابه بالشيخ محمد الحصادي (الحيروش)، ثم بالشيخ عبد السلام بن عمران (والد صاحب السيرة) والشيخ منصور الطشاني. يحب العلم والعلماء ويحرص على مصاحبتهم ومجالستهم.
أدركت لاحقاً أن الحاج بن طالب يحب والدي محبة خالصة في الله تعالى، وكان وفياً له لم ينقطع عن زيارته إلى آخر أيام والدي في هذه الحياة. ربما كانت المحبة بسبب علم والدي، وربما لكونه لم ينل ذلك العلم بسهولة بل بالكفاح والمعاناة؛ حيث هجر الأهل والوطن وذاق شظف العيش من أجل تلقي العلم في الأزهر الشريف. جعلهما ذلك متشابهين في العصامية؛ عصامية بن طالب في سلك التجارة، وعصامية والدي في سلك العلم حيث استطاع رغم الفقر أن يستكمل دراسته في الأزهر وأن يتحصل على (العالمية) التي تعادلها شهادة الدكتوراه في الوقت الحاضر. وقد يكون لتعرض كليهما للاعتقال والسجن إبان حكم الطليان دور في تلك المحبة. وكان الشيخ عبد السلام بن عمران قد اعتقل بسبب وطنيته وخطابه السياسي المناوئ لسياسة طلينة الليبيين وحوكم غيابياً عندما فرّ إلى السودان وصدر ضده حكم بالإعدام. أما الحاج بن طالب فقد اعتقل بسبب انخراط شقيقه الوحيد في قتال المستعمر مع جيش عمر المختار.
الحاج بن طالب من أبرز أصدقاء والدي الذين كان يتبادل معهم الزيارات في العيدين وكثيراً ما كنت معه. وما أزال أذكر أول مرة يصطحبني والدي معه لزيارته؛ وكانت في بداية الستينيات. فتح لنا الباب مرحباً والفرحة تغمره وتكاد تنبعث من عينيه الوقادتين. أدخلنا إلى غرفة الضيوف (المربوعة) في بيته الذي ما زال يقطنه إلى هذه اللحظة وما زال على حاله بما في ذلك تلك المربوعة. تبادل مع والدي الحديث في مودة ومحبة، وسرعان ما تحول حديث المجاملة والسؤال عن الصحة والولد إلى أسئلة من جانب الحاج بن طالب في مسائل الدين والفقه والسنة النبوية الشريفة كان يجيب عنها والدي بما آتاه الله من علم ومعرفة. كان انطباعي عنه أنه رجل راغب في العلم لا يضيع لحظة يستطيع فيها أن ينهل من نبعه إلاّ اغتنمها.
عندما أتحدث عن الحاج بن طالب أرى مثالاً للصلاح والتقوى وحب العمل. قصة نجاح عظيمة وملحمة كفاح مضن. أمدّه الله بتوفيقه بسبب استقامته وتقواه وورعه. عندما أتحدث عن عمله لا بد أن أذكر اشتغاله بفلاحة الأرض وعشقه للنخل. يحيط ببيته بستان يتميز بنخيل باسقات، وظلال وارفات. أحد بساتين قليلة ما زالت قائمة بعد أن زحفت الكتل الإسمنتية القبيحة على معظم الأراضي الزراعية في درنة. في بستانه أكثر من ثمانين نخلة؛ لم يستعن يوماً بأحد للعناية بالنخيل أو بالبستان، وكان وما زال يتسلق نخيله بنفسه –رغم تجاوزه التسعين عاماً- مستعيناً بالأدوات التقليدية لتوبيرها أو تلقيحها أو جني ثمارها.
له من الأولاد اثنا عشر؛ ستة أبناء وست بنات، ويقول أكبرهم (محمد) أنه لا يذكر خلافاً بين والده ووالدته (التي تحفظ ربع القرآن الكريم) طوال رفقة ستة عقود. حرص على تعليم أولاده وتنشئتهم تنشئة صالحة؛ فمنهم التاجر والمهندس والصيدلي. الدكتور عمر صيدلاني ويحفظ كتاب الله كاملاً، والمرحوم مصطفى كان على وشك إتمام حفظ القرآن أثناء دراسة الطب؛ عندما توفي شاباً عام 1982م. عرفت مصطفى في حلقة لترتيل وحفظ القرآن قبل وفاته ببضع سنين، وأعجبت بذكائه واجتهاده وصوته الجميل وسمته الهادئ. تعرض إلى حادث سيارة وهو في طريقه إلى (الجغبوب) وانتقلت روحه الطاهرة إلى بارئها بعد ثلاثة أيام؛ ربما كانت مهلة أتاحت لوالده الوصول إلى مستشفى طبرق حيث كان يعالج ليكون معه في آخر لحظاته يرقيه ويودعه. كل من عرف مصطفى يحتسبه من الأبرار. لو لم يكن للحاج حمد بن طالب من الأبناء إلاّ المرحوم مصطفى لكان حسبه.
على الرغم من شدة صبره وجلادته فقد شاهدت عيناه تغرورقان بالدمع عندما جاء لزيارة والدي لأول مرة بعد أن ذهب مرض (الغنغرينا) بساقه التي اضطر الأطباء لبترها لإنقاذ حياته عام 1970م. من كان بوسعه أن لا يتأثر برؤية ذلك الطود الشامخ وقد أضعف جسمه المرض وأقعده السقم. أدعو لوالدي بالرحمة والمغفرة، وأسأل الله أن يجازي الحاج حمد بن طالب خير جزاء على حسن رفقته لوالدي وبره به ووفائه له.
الدكتور سالم إبراهيم بوغرارة
ما أجمل أن يكون للإنسان صداقات قديمة تكونت منذ الطفولة. علة ذلك أن الأصدقاء القدامى يرتبطون بتاريخ مشترك تجمعهم عبره ذكريات الزمان والمكان والثقافة في سني التعليم الأولى. عندما أتذكر أول عهدي بارتياد السينيما، لا بد أن أتذكر صديق كان من أوائل الذين ربطتني بهم أواصر المودة في المرحلة الابتدائية، واستمرت صداقتنا إلى الآن. ذلك هو سالم إبراهيم بوغرارة. عرفته في السنة الثالثة الابتدائية وكان شريكي في (البنك) أو الدرج، حيث كنا نجلس على مقعده المزدوج معاً. لفظ البنك كان الاسم الدارج للمقعد المزدوج المتصل بمنضدة مزودة برف سفلي لوضع حقيبة الكتب. كان سالم ذكياً ومجتهداً منذ البداية، وعلى الرغم من أنه يكبرني بسنة واحدة، إلاّ أنني كنت أكبر منه جسماً. كان من التلاميذ القلائل الذين يرتدون معطفا (بالطو) في فصل الشتاء. في تلك المرحلة لم أكن قد عرفت السينيما لصغر سني من جهة ولأن والدي كان لا يحبذ ارتيادها من جهة أخرى.
ذات يوم طلب منا مدرس الفصل أن يُحضر كل تلميذ في اليوم التالي ثلاثة قروش ونصف لشراء تذاكر سينيما وذلك ضمن حملة تبرعات لصالح المجاهدين في الجزائر التي كانت تحت الاحتلال الفرنسي. أخبرت والدي بالأمر فأعطاني المبلغ لشراء التذكرة من باب التبرع، ولم يكن يريدني أن أستعملها لدخول السينيما. وعندما علم (سالم) بأنني لن أذهب بالتذكرة استنكر ذلك وأخذ يشوقني للذهاب لأشاهد الفيلم، وعرض أن يمر على بيتنا ليصطحبني معه على الرغم من أن بيتهم الواقع في شارع الأمين بالجبيلة أقرب إلى منطقة السوق والسينيمات من بيتنا الذي يقع في شارع رويفع بن ثابت الأنصاري الموازي لشاطئ البحر.
وأخبرت والدتي برغبتي في مشاهدة ذلك الشيء العجيب الذي يُدعى سينيما أو (شيليما) كما كانت الكلمة تنطق آنذاك؛ فتعاطفت معي وتوسطت لي عند والدي الذي عدل عن رفضه وسمح بأن أذهب خاصة عندما علم بأنني لن أكون منفرداً. وكان من المقرر أن نذهب صباح يوم الجمعة، وظللت أنتظر بفارغ الصبر مجيء سالم الذي ما كاد يطرق الباب حتى خرجت إليه وانطلقنا سوياً. كنت أعرف الطريق إلى السوق، وأعرف الميدان الذي تقع به السينيما ولكنني لم أكن أعرف أن تلك هي السينيما! مشينا إلى أن وصلنا إلى الميدان الذي كان مشهوراً عندي بفندق الجبل الأخضر ومقهي اجويدة الشلوي الذي كان يصنع الآيس كريم الفاخر؛ ومحل اكريمش الفيتوري الذي كان يبيع أصنافاً فاخرة من الشوكولاطة بالإضافة إلى أنواع التبغ المختلفة.
توجهنا إلى سينيما الفردوس (المشهورة بسينيما التاجوري) وكانت تقع في الدور العلوي من مبنى يقع في الناحية الجنوبية الغربية من الميدان. لفت نظري اللافتات المصورة المثبتة على الحائط الخارجي إعلانا عن الفيلم الحالي والأفلام القادمة. صعدنا السلالم إلى الطابق الأول حيث وقف شاب (مفتاح بوغريّب) بيده مصباح بالبطارية وكان علينا إعطاءه التذاكر، وانعطفنا إلى اليسار لندخل قاعة الدرجة الثانية. عرفت فيما بعد أن السلالم الواقعة إلى يمين الداخل تقود إلى قاعة الدرجة الأولى أو (البلكون).
كانت القاعة فسيحة وسقفها مرتفعاً وتطل عليها من الخلف بلكونة الدرجة الأولى، وفي المواجهة شاهدت مسرحاً تتوسطه شاشة بيضاء كبيرة. لم يسبق لي أن شاهدت شيئاً بمثل هذه الروعة والفخامة. كانت القاعة مليئة بالكراسي المثبتة بالأرض في صفوف منتظمة، وكان يتخللها ممران يقسمان المقاعد إلى ثلاث مجموعات، أكبرها في الوسط. قادني سالم إلى مقعد في منتصف مجموعة المقاعد التي تتوسط القاعة، وكانت القاعة نصف ممتلئة بالأولاد من مختلف الأعمار حيث شملت حملة التبرعات ذلك اليوم مراحل التعليم الابتدائي كافة. جلسنا في مقعدين متجاورين، وجعلت أنظر أمامي إلى الشاشة البيضاء الكبيرة. تلفت يمنة ويسرة، وكان الأولاد في هرج ومرج، هذا يصيح وينادي زميله، وذلك يتنطط على كرسيه، وبعضهم يتشاجر مع البعض الآخر. مرّ أولاد يبيعون زجاجات المياه الغازية والسنتدوتشات والزريعة والحمص والكاكاوية، واشترينا قرطاسين من الزريعة، والقرطاس يعني بالدراجة لفافة ورقية على هيئة طربوش أو مخروط. أخنا نأكل ونراقب الهرج والمرج ونستمع إلى اللغط الذي يدور في القاعة.
فجأة انطفأت الأنوار! ظننت أن ذلك إيذاناً بانتهاء ما جئنا من أجله، وأن الغرض من السينيما هو مشاهدة الهرج والمرج وشراء المأكولات والمشروبات. التفت إلى رفيقي وسألته: أنخرج الآن لنعود إلى بيوتنا؟ ربما ظن سالم وقتها أنني أمزح، ولكنه أجابني بأن العرض سيبدأ الآن. وفعلاً، مرت برهة، ثم أضاءت الشاشة، وإذا برسوم لطيور وحيوانات تتحرك وتنطق بلغة أجنبية، وكان إحداها ناقر الخشب كما عرفت لاحقاً. استمر العرض لمدة عشر دقائق أو ربع ساعة ثم توقف! التفت إلى رفيقي للمرة الثالثة: انتهى الفيلم؟ نعود إلى البيت؟ وهذه المرة ابتسم سالم. لا يا فوزي، لا ...، هذي كوميكا! كلمة أخرى أضفتها إلى رصيدي دون أن أعرف معناها.
أضاءت الشاشة مرة أخرى وظهرت عليها كتابة وانطلق صوت جهوري يقول: أفلام حلمي رفلة تقدّم ...إلخ وتظهر سامية جمال تتلوى شبه عارية، ورجال يتعاركون علمت فيما بعد أنهم فريد شوقي ومحمود المليجي. اندهشت وظننت في البداية أن الضوء والصورة صادران من الشاشة، ثم انتبهت إلى شعاع يمر في الهواء فوق رؤوسنا فتتبعته بنظري فاكتشفت أن الحزمة الضوئية صادرة من أعلى الجدار الخلفي المقابل للشاشة. استمر عرض مقتطفات من أفلام لمدة وجيزة، ثم توقف العرض. هنالك التفت إلى رفيقي مرة أخرى وسألته: هل الفيلم انتهى؟ وأعتقد أنه أدرك الآن مدى جهلي، فقال لي: لا ... لا ... هذه بروفات! كلمة جديدة أضفتها إلى حصيلتي اللغوية دون أن أعرف معناها على وجه التحديد.
بعد برهة بدأ الفيلم، فالتفت إليّ رفيقي وقال لي: هذا هو الفيلم! وكان فيلما من أفلام الكاوبوي، خيل ومسدسات وقتل. وأخذ سالم يشرح لي المشاهد: هذا الشايب! هذا العيّل! هذي البنت! ويخبرني من الطيب ومن الشرير في الفيلم الذي ربما كان شاهده من قبل. توه يضربه بوني! توه يطلّع المسدس! توه يقتله! وهكذا دواليك إلى أن انتهى الفيلم، وأضيئت الأنوار، ووقف الجالسون، وبدأنا في عملية الخروج التي كانت تتميز بالتدافع والتزاحم والسباب والعراك.
بعد ذلك بسنوات، سمح لي والدي بالذهاب إلى حفلة الأطفال التي كانت تعرض فيها أفلام للأطفال بعد ظهر يوم الجمعة.
أما سالم بوغرارة، فقد انتقل إلى بنغازي ليعيش مع أخواله عندما كنا في السنة الخامسة الابتدائية، وكان ذلك عقب وفاة والدته، وترتب على ذلك أنه تأخر عني في الدراسة لسنة واحدة، ولم تنقطع العلاقة على الرغم من ذلك إلى أن التحق بكلية الطب بعدي بسنة واحدة، فكان في السنة الأولى عندما صرت في الثانية، وصار شريكي في غرفة ببيت طلبة كلية الطب في (سيدي حسين) وتخرج بعدي بسنة وحصل على بعثة دراسية إلى بريطانيا حيث نال درجة زمالة الكلية الملكية البريطانية في طب الأطفال، وهو الآن يقيم ويعمل في بنغازي، وما تزال صداقتنا مستمرة. أدعو الله لي وله بالتوفيق والسداد والصحة والسعادة والمغفرة والرحمة.
رمضان صالح بوغريب
أكاد لا أعرف حلاقاً في درنة غيره. عندما ترتاده محله وتجلس في انتظار دورك تشعر وكأنك في منتدى ثقافي. حلاق النخبة في مدينة درنة. أذكره وأتذكر محلّه منذ نعومة أظفاري؛ وكان ذلك بالتحديد عام 1958 في أول عهدي بمدينة درنة ولم أكن قد أتممت خمس سنين من عمري. كما ذكرت آنفاً؛ لم أولد في درنة بل في مدينة المرج (القديم) في السادس من شهر إبريل عام 1953م عندما كان والدي العالم الأزهري الشيخ عبد السلام بن عمران منتدباً ناظراً لمدرسة المرج. إلى جانب والدي؛ كان يتردد على رمضان الأساتذة: عبد الرحمن جبريل وعبد الكريم جبريل وأحمد جبريل وعبد الحميد اشليمبو وآخرون.
في أول زيارة إلى محله وما تبعها من زيارات كان والدي يصطحبني معه، وبعد عدة سنوات صرنا؛ والدي وأنا، نصطحب معنا شقيقي (محمد) الذي يصغرني بسبعة أعوام. كان من ضمن معدات (بوغريب) لوح خشبي مسطح ومستطيل أعده ليوضع فوق ذراعي مقعد الحلاق ليجلس عليه الصغار فترتفع أجسامهم الصغيرة وتظهر رؤوسهم وأعناقهم في وضع مناسب ليتمكن من قص شعرهم دون أن ينحني. ذلك اللوح نفسه ما زال موجوداً في محل رمضان بوغريب ويؤدي عمله كما يجب. كلما أزوره أسأله مازحاً (وين اللوحة؟)، فيرفعه عن الأرض ونضحك معاً، ويروي لمن يتصادف وجودهم في المحل قصة ذلك اللوح العتيق الذي ربما يعود عمره إلى تاريخ افتتاح محله. أما السير الجلدي الذي كان معلقاً في ركن المحل ويستخدمه لسن أمواس الحلاقة فقد اختفى منذ زمن مع اختفاء أمواس الحلاقة التقليدية وظهور الأمواس الحديثة التي تستخدم لمرة واحدة.
من الأشياء الأخرى التي ما زال يزدان بها محلّه أقفاص طيور الزينة. رمضان يحب تربية طيور الكناريا والببغاوات الصغيرة الملونة؛ يطعمها ويعتني بها، وهي بدورها تضفي على المحل جواً من الجمال والزينة. كذلك يعلق على الجدران صور لاعبي فريق دارنس لكرة القدم؛ قديماً وحديثاً، بالإضافة إلى لاعبي كرة القدم العالميين. كل ذلك على حاله منذ عرفت المكان إلى هذه اللحظة. عندما زرته في محله حديثاً وقابلت عنده زميله الحلاق البارع: إبراهيم بالليل أسعدني أن أراهما معاً يعملان جنباً إلى جنب. نادراً ما تدوم صداقة وزمالة لمدة نصف قرن؛ وذلك دليل على جودة معدن كليهما.
رمضان دارنيسي حتى النخاع. وقد صرت دارنيسياً بالسليقة لسببين: أولهما أننا نسكن في جوار مقر نادي دارنس القديم، وثانيهما أنني أرتاد محل بوغريب للحلاقة مرتين شهرياً. قبل (موضة) الشعر الطويل كان الأهل يصرون على إرسال أبنائهم إلى الحلاق كل أسبوعين على أكثر تقدير. هناك عرفت اللاعب الأسطورة عاشور الزروق، وسائر لاعبي دارنس مثل: الأخوين منصور ورافع الزروق، وعبد الحق الطشاني ورافع امنينة، واكروش والبرعصي والحمري وباللينا وبن ناصر وبن خيال والصلحين واوحيش وقربادي واسويسي ومفتاح الأشقر، وفيصل الأشقر. كما عرفت في محل حلاق النخبة حكام كرة القدم؛ عبد المجيد الحصادي ومنصور المكاوي والطشاني. عرفتهم هناك قبل أن أعرفهم مدرسين أفاضل خلال مسيرتي التعليمية.
بوغريب إنسان بكل معني الكلمة. كان لا يعمل إلاّ إذا كان مزاجه معتدلاًً. وكان أكثر ما يعكر مزاجه أن يُصاب الفريق أو أحد لاعبيه بمكروه، فكان يقفل محله ليوم أو يومين، ويقف أمام الباب المغلق ممسكاً بسلسلة مفاتيحه بيمينه، ويخبر من يستفسر من زبائنه بالسبب وراء عدم فتح المحل (عاشور مكسور) مثلاً!
عندما يحضر والدي يصير محط اهتمام الجميع وينحو الحديث تدريجياً منحى الثقافة والدين والأدب؛ وينتهز الحاضرون ليمطرونه بوابل من الأسئلة. ويشارك والدي في الأحاديث التي تدور حول كرة القدم، فقد كان متابعاً للرياضة ولسائر الأمور الدنيوية. كان مطلعاً على سائر المصادر الثقافية وكان لديه ما يقول في كثير من المجالات الأدبية والعلمية. بالإضافة إلى الكتب المرجعيّة في تخصصه؛ كان يقرأ كذلك مجلات المصوِّر وآخر ساعة والعربي وغيرها من الصحف الرصينة التي كانت تصدر آنذاك. كما كان مشتركاً في النسخة العربية من مجلة (ريدرز دايجست) التي كانت تسمى (المختار من ريدرز دايجست)، وقرأ فيها في أوائل الستينيات أن المستقبل سيطالعنا بالتلفون المرئي؛ أخبرني بذلك وأنا طفل صغير وها قد صار ذلك عين اليقين!
وعندما أقعد المرض والدي عن الخروج كان رمضان يزوره في المنزل ويحمل إليه أدوات الحلاقة في حقيبة صغيرة. كان يفعل ذلك من باب المحبة والاحترام والوفاء. أدعو الله أن يحفظ الأخ رمضان بوغريب وأن يجازيه خيراً على إخلاصه في عمله وإتقانه لمهنته وتمسكه بتقاليدها وآدابها؛ في زمن قل فيه من يحافظ على أية قيم مهما كانت. كما أدعو بالرحمة والمغفرة إلى كل من ذكرتهم آنفاً أمواتاً كانوا أم أحياءً.
|